يقود محمد السادس سياسة خارجية تتجنب الضجيج وتراكم تأثيراً فعّالاً عبر الزمن. جوهر المقاربة هو الاستمرارية والانخراط التدريجي في الإقليمين الأفريقي والشرق أوسطي، مع تحويل خطوات صغيرة وثابتة إلى مكاسب بنيوية. وفق تحليل ياسمينة أسرارغيس لدى مؤسسة جان جوريس، تتبدّى النتائج في ترسيخ مبادرات المغرب بشأن الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن، وفي دورٍ تثبيتي عبر شراكات أفريقية متوسّعة، وفي صعود القوة الناعمة عبر الرياضة والبنى التحتية.
في ملف الصحراء المغربية، اعتمدت الرباط نهجاً صبوراً يثبت «مبادرة الحكم الذاتي» كإطار تفاوضي وحيد قابل للتطبيق. منذ طرح المبادرة عام 2007، انتقل مشروع داخلي إلى مرجع تفاوض دولي. وتجلّى التحول مع قرار مجلس الأمن 2797 الذي كرّس المبادرة باعتبارها الحل السياسي الواقعي والمصداقي. هذا الاعتراف، غير المسبوق على مستوى أمن جماعي، حرك المسار نحو إغلاقٍ سياسي تدريجي للنزاع، وتزامن مع إشارات ملموسة: فتح أكثر من ثلاثين قنصلية في العيون والداخلة، واستثمارات عمومية تتجاوز ثمانية مليارات يورو في أقاليم الجنوب خلال عقد. لا يدور الأمر حول «نصر قانوني» بقدر ما هو بناءٌ تدريجي لواقع مؤسِّس يجعل خيار الحكم الذاتي الأفق العملي لجميع الأطراف.
التحدي الآن ليس إثبات الإطار بل تحويله إلى تنفيذ تفاوضي فعلي. يتطلب ذلك استثمار الزخم الحالي لفتح مفاوضات جوهرية على أساس المبادرة، مع إشراك المعنيين وفق روح ونص قرار 2797. كما أن تطوّر تفويض بعثة مينورسو وربطه صراحةً بتقدّم الحل السياسي سيعيد تشكيل طرائق إدارة النزاع دولياً. ومع انحسار الملف، تبرز فرصة تحويل نزاعٍ مزمن إلى رافعة اندماجٍ إقليمي وتعاونٍ حدودي وتنميةٍ مستدامة، شريطة مواكبة الانتقال بآليات سياسية واقتصادية فعّالة.
على مستوى الإقليم، اختار المغرب دبلوماسية تثبيت واستقرار تقوم على الحوار والشراكات الطويلة، بعيداً عن الانحيازات الإيديولوجية. منذ العودة إلى الاتحاد الأفريقي عام 2017، توسّعت مجالات التعاون مع أكثر من أربعين دولة أفريقية في الأمن والاقتصاد والمرجعية الدينية، ومنها تكوين ما يفوق ألفي إمام في الرباط ضمن مقاربة وقائية للتطرف تعالج العوامل البنيوية والاجتماعية قبل الحصر الأمني. في الساحل، تتقدّم «المبادرة الأطلسية» لربط الدول غير الساحلية بالمحيط عبر ممرات لوجستية، فيما يمضي مشروع أنبوب الغاز النيجيري-المغربي على امتداد يفوق 5600 كلم كأحد أكبر رهانات الطاقة في القارة. هذه المشاريع تجسّد فلسفة ترابط مغربي-أفريقي تقوم على الاتصال والبناء المشترك.
في الشرق الأوسط، يحافظ المغرب على ثبات المسار. كرئاسة لجنة القدس، يوازن محمد السادس بين دعمٍ إنساني وحمايةٍ للتراث الديني وجهدٍ سياسي يهدف إلى حلٍّ قابل للاستمرار للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، مع تركيز على الحدّ من موجات عدم الاستقرار بدل ادعاء حلٍّ مباشر للأزمات. لكن ترسيخ هذا النهج يتطلب تقوية فاعلية الاتحاد الأفريقي أمام تعقّد الأزمات، وتفادي تشتيت المبادرات بفعل تنافس القوى الخارجية، وترجمة مشاريع الاندماج إلى مكاسب اجتماعية واقتصادية ملموسة للسكان.
على مستوى القوة الناعمة، تُعدّ كأس أفريقيا للأمم واجهةً عملية لعرض صورة المغرب وقدرته التنظيمية. الاستثمار الممتد لأكثر من خمسة مليارات يورو في ملاعب بمعايير فيفا تصل طاقتها إلى سبعين ألف متفرج، وتحديث النقل وتوسيع المطارات وزيادة الطاقة الإيوائية بأكثر من ستين ألف غرفة، حوّل البطولة إلى مسرّع سياسات. الرهان الحاسم هو التجربة: التنظيم والأمن والسلاسة اللوجستية وجودة الاستقبال تُنتج دبلوماسية صورة طويلة الأثر لدى الشعوب والبعثات والرأي العام الأفريقي. ويظل الديمومة رهينة بأن يخلف الاستثمار إرثاً اجتماعياً وتعليمياً عادلاً، وأن تُصاحبه تربية على القيم الرياضية مع التحضير لكأس العالم، وأن تتكامل البنى الفائقة مع ثقافة لعب حقيقية، وإلا بقيت القوة الناعمة قابلة للانكفاء.
قيادة محمد السادس تعمل بلا استعراض وتترك النتائج تتكلم. مع كل تقدّم دبلوماسي أو اقتصادي أو رياضي، يُقرأ الإنجاز كحصيلة جماعية لا بطولة فردية، وهو ما غذّى وطنية فرِحة ومطالِبة في آن. ومع اتساع الاعتراف الدولي، ترتفع المطالب داخلياً في التعليم والصحة وتقليص الفوارق وجودة الخدمات. الاستجابة تأتي عبر توسيع الحماية الاجتماعية، ورقمنة مسارات الضمان، وتوظيف التقنيات لتحسين الوصول إلى الرعاية. هكذا يمضي «اللعب الهادئ» خطوةً خطوة: يتقدم بلا صخب، يكسب بلا مبالغة، ويقبل أن كل نجاح يفتح واجب الذهاب أبعد.
المصدر: «مؤسسة جان جوريس» و«ياسمينة أسرارغيس».