يقدّم عبد الغني خلدون في كتابه الجديد صورة حميمة ودقيقة لمدينة بجعد، حيث يتحول الشغف الشخصي والخبرة الهندسية إلى سرد حيّ عن هوية حضرية تشكّلت عبر قرون. لا يكتفي العمل بتوثيق تفاصيل المدينة العتيقة، بل يفتح نافذة على معنى العيش في فضاء يكوّنه النسيج العمراني والزخارف والمواد والأساليب، ويذكّر بأن هذا الإرث يحتاج اليوم إلى رعاية تحفظ روحه وذاكرته. يمكن الرجوع إلى النص الأصلي عبر مقال إيلاف الذي عرض الكتاب وملامحه، مع تفاصيل وصور توضيحية عن بجعد وتراثها العمراني والمعماري.
ينطلق الكتاب من علاقة شخصية بالمدينة، لكنه يتجاوزها ليضع بجعد في سياقها التاريخي والجغرافي. تأسست المدينة سنة 1536 حول الزاوية الشرقاوية، عند تقاطع مسارات تربط فاس ومكناس والرباط ومراكش، ما جعلها نقطة إشعاع ديني وثقافي واقتصادي امتد لقرون. هذا الموقع، إلى جانب دور الزوايا، أتاح تشكّل هوية حضرية خاصة تتجسد في شبكة أزقة متداخلة وساحات صغيرة وتناسقات معمارية تصنع إيقاع المكان وتوجّه الحركة داخله.
يستند خلدون إلى أدوات المهندس لتفكيك بنية المدينة العتيقة: فراغات مغلقة تحمي الخصوصية، ممرات ضيقة تضبط المناخ المحلي، وأروقة تجارية تعيد تعريف العلاقة بين الداخل والخارج. يقرأ المؤلف هذه العناصر كمنظومة وظيفية وجمالية متكاملة، ويقترح فهمًا للتناسق الخفي الذي ينظم الكتل والمسارات والمشاهد الحضرية، حيث لا يبدو التعقيد مصادفة بل نتيجة تراكم معرفة بنائية وحرفية عبر أجيال.
الكتاب مصوَّر وغنيّ بالرسوم التوضيحية، ما يمنح القارئ تجربة بصرية تساعد على إدراك التفاصيل الدقيقة؛ من الأبواب الحجرية المنحوتة إلى الأقواس، ومن واجهات المنازل ونوافذها وزخارفها إلى أرصفة الأحياء ومداخلها. صور جمال المرسلي الشرقاوي تلتقط روح المكان، بينما تُظهر رسومات كورين لومور والنمذجة الحاسوبية التي أنجزها ميسان وهابي كيفية تشكّل النسيج العمراني والطرائق التي بُني بها عبر الزمن. هذا التكامل بين الصورة والتحليل يتيح قراءة تُبرز العلاقة بين الهندسة المعمارية والبيئة والثقافة المحلية.
يقسّم خلدون مادته إلى محورين متداخلين: الأول يتناول التراث الحضري بما فيه الأحياء، الملاح والمعالم اليهودية، الساحات، الأزقة والبوابات، أي العناصر التي تحدد البنية العامة للمدينة العتيقة وتكشف مساراتها التاريخية. والثاني يركّز على التراث المعماري: الزوايا، الأضرحة، المساجد، الفنادق التقليدية، الأفران والحمامات، الأقواس وأبواب المنازل، إضافة إلى الحرف مثل صناعة الفخار والنجارة. عبر هذا التفصيل، يضيء العمل على طريقة عيش تتجسد في مادة المكان، ويعيد الاعتبار لدور الحرفيين والبنّائين في صياغة هوية حضرية متماسكة.
لا يتعامل الكتاب مع بجعد كصورة مجمّدة في الماضي، بل يلفت إلى حاضر مليء بالإمكانات. المدينة مصنفة ضمن التراث الوطني، لكن المؤلف يرى أن قيمتها تستحق مسعى منظّم لنيل اعتراف عالمي وإدراجها ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي لليونسكو. هذا الطموح يرتكز إلى نسيج قديم متماسك، ومعالم ذات قيمة تاريخية وجمالية، وإلى إرث روحي وثقافي لعب دورًا مؤثرًا في المنطقة.
في المقابل، يقدّم خلدون تشخيصًا واضحًا لما تتعرض له المدينة من تدهور وإهمال. كثير من المباني ومواقع العبادة في حاجة إلى صيانة عاجلة، ومعالمها تتطلب تدخلات تحفظ المواد الأصلية وتقنيات البناء التقليدية. الدعوة هنا ليست إنشائية؛ إنها خطة عملية تفترض جردًا منهجيًا للعناصر المعمارية، وتحديد أولويات الترميم، وتفعيل الشراكات بين السلطات المحلية والفاعلين الثقافيين والخبراء، بما يضمن حماية التراث العمراني والمعماري وإعادة إدماجه في الحياة اليومية.
ينبّه الكتاب إلى أهمية التفاصيل التي قد تمرّ بلا انتباه: أبواب قديمة تحمل آثار استخدام طويل، أرصفة تُظهر طبقات من صيانة تراكمت بمرور الزمن، نوافذ خارجية تكشف ذائقة زخرفية محلية، وأروقة تجارية تحفظ إيقاعًا اجتماعيًا متبدّلًا. هذه العناصر ليست مجرد مكوّنات ثانوية؛ إنها دليل حيّ على ذائقة عمرانية وعلى اقتصاد صغير يتغذى من المكان ويتكيّف معه.
تظهر خبرة خلدون التقنية في اللغة التحليلية الواضحة، لكن الكتاب يحتفظ بنبرة إنسانية تُشعر القارئ بأن المدينة ليست مجموعة كتل وجدران، بل ذاكرة وسيرة. بهذا المعنى، تتجاوز دعوة الحفظ مجرد حماية مبانٍ لتصبح حماية معرفة محلية وطرائق عيش، وإتاحة انتقالها إلى أجيال جديدة دون أن تفقد أصالتها أو قدرتها على التكيّف.
تسمح هذه المقاربة بإعادة قراءة بجعد كحالة دراسية في فهم التراث العمراني المغربي: مدينة نشأت حول مركز روحي، طوّرت نسيجًا وظيفيًا متينًا، وابتكرت حلولًا مادية تتلاءم مع بيئتها. من الزاوية الشرقاوية إلى الأزقة المتعرجة، ومن الساحات الحيوية إلى تفاصيل الأبواب والأقواس، تتكون لوحة تُظهر كيف يشتغل المكان كمنظومة ثقافية ومعمارية في آن.
الكتاب، وهو ثمرة سنوات من البحث، يتقاطع فيه التصوير والرسم والتحليل المعماري ليشكّل مرجعًا عمليًا لكل من يهتم بالحفاظ على التراث في المغرب. إنه دعوة واضحة إلى العمل: توثيق، ترميم، وتعزيز حضور المدينة في الوعي العام، بما يفتح الطريق أمام اعتراف أوسع بقيمتها.


