المغرب بين الاستثمار ومخاطر «الفيل الأبيض»

أضيف بتاريخ 01/06/2026
عبر جون أفريك

تزدهر أشجار النخيل فوق ما كان يوماً ملعباً مرموقاً؛ منشأة رياضية استضافت حفل افتتاح أولمبياد أثينا 2004 ولم تُستخدم منذ ذلك الحين. سقف فولاذي بوزن 18 ألف طن يتهدد بالانهيار، والسلطات اليونانية أمرت بإغلاق الموقع نهائياً في 2023. هكذا بات ملعب أثينا الأولمبي مثالاً مدرسياً على «الفيل الأبيض»، وهو وصف يُطلق على المشاريع الكبرى التي تُكلف أكثر مما تُفيد السكان. وفق وزارة المالية اليونانية، بلغت كلفة الألعاب نحو 8.5 مليارات يورو.



ساهمت هذه المنافسة الباهظة في تعميق ركود حاد باليونان، تفجّر مع أزمة الرهن العقاري في 2008. وليست اليونان حالة فريدة؛ فالبرازيل استضافت كأس العالم 2014 والأولمبياد 2016، مع استثمارات ضخمة وتجاوزت الكلفة التقديرات الأولية بأكثر من 50%. ومنذ ذلك الحين تحوّل ملعبا ماناوس وبرازيليا إلى «فيلة بيضاء» لا تُستغل إلا نادراً، رغم أن تشييد تلك المنشآت العملاقة استلزم عمليات تهجير وتدمير أحياء كاملة.

في جنوب أفريقيا التي نظمت كأس العالم 2010، ما زالت معظم الملاعب التي بُنيت أو رُممت للاحتضان قيد الاستخدام، خصوصاً لمباريات الرجبي. لكن تكاليف الصيانة والتشغيل لملعب كيب تاون تُعادل ضعفي الإيرادات، ما يفرض على البلدية سد العجز من ميزانيتها.

تنظيم حدث رياضي كبير يظل رهانا محفوفاً بالمخاطر للدول الصاعدة أو الهشة اقتصادياً. تشير دراسة للباحثين ديفيد بوتو-غارسيا وماريا سانتانا-غالّيغو منشورة على ساينس دايركت إلى أن أكثر من أربعة أخماس دورات الأولمبياد وكؤوس العالم سجّلت عجزاً، إذ تتجاوز الكلفة في المتوسط الإيرادات، ما يعكس عجزاً هيكلياً لا يمكن تجاوزه من دون دعم خارجي.

بعيداً عن الرمزية السياسية والدبلوماسية، يبقى الأثر الاقتصادي عادةً محلياً ومؤقتاً؛ تأثيرات النمو نادراً ما تدوم، وقد تكون الكلفة الاجتماعية مرتفعة كما حدث في اليونان حين اضطرت السلطات إلى سياسات تقشف مؤلمة لتجاوز أزمة الدين.

تتجه الأنظار اليوم إلى المغرب، المضيف لكأس أمم أفريقيا حتى 18 يناير والمشارك في تنظيم كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال. حذّرت زينب العدوي، أول رئيسة لـ«مجلس الحسابات»، مطلع 2025 من أن هذه الاستحقاقات تستلزم استثمارات كبيرة لتحسين البنى الرياضية والسياحية والاتصالات والنقل، بما يتطلب تعبئة موارد مالية قد تُثقل المالية العامة.

البلاد في ورشة مفتوحة. إلى جانب استثمارات «الكان»، يخطط المغرب لتجديد خمسة ملاعب وبناء ملعب جديد. بسعة 115 ألف مقعد، ملعب الحسن الثاني في الدار البيضاء مرشح ليكون الأكبر عالمياً؛ للمقارنة، لا يتجاوز «كامب نو» 99 ألف مقعد. وتقدّر «سوجيكابيتال جستيون» أن المغرب سيستثمر بين 5 و6 مليارات دولار لتمويل الملاعب ومراكز التدريب والبنى المرتبطة بكرة القدم حتى 2030.

لا تقف المشاريع عند الرياضة. المملكة تتجه لتعزيز الطرق والسكك الحديدية، وتطوير البنى الفندقية والطبية والطاقة والمياه والاتصالات. ووفق «فيتش للتصنيفات»، قد تعادل هذه النفقات نحو 18% من الناتج المحلي، مع التذكير بأن المشاريع الكبرى عرضة بطبيعتها لتجاوزات الكلفة.

ورغم مساهمة القطاع الخاص، يبرز سؤال القدرة على التمويل. يؤكد الاقتصادي كريم العيناوي، الرئيس التنفيذي لـ«مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد» أن «السياق مختلف»: تنظيم مشترك يوزّع العبء، ومعظم الاستثمارات في المغرب كانت مُبرمجة سلفاً ضمن خطوط الأنابيب: طرق وسكك ومطارات.

الاستثمار هنا أقرب إلى تسريع لما هو قائم لا إنشاء من الصفر. الأثر مزدوج: طلب قصير الأجل يتبعه تأثير هيكلي لخدمات البنية التحتية على المدى الطويل، ما يدعم النمو الاقتصادي. حدث بهذا الحجم يملك القدرة على رفع السقف.

تتوافق توقعات المانحين مع هذا التصور؛ فبحسب صندوق النقد الدولي، ورغم الاستثمارات الضخمة، يُفترض أن تنخفض نسبة الدين العام من نحو 70% من الناتج اليوم إلى 65% بحلول 2030. وإذا لم تتجاوز النفقات الميزانيات المقررة، فسيظل كأس العالم مناسبة احتفالية للمغرب.

 

المادة تعتمد على تقارير وتحليلات منشورة في «جون أفريك» وتضم روابطها الأصلية، إضافة إلى دراسة أكاديمية على «ساينس دايركت» المشار إليها أعلاه.