انطلقت منافسات كأس أمم إفريقيا 2025 يوم الأحد 21 ديسمبر في ملعب مولاي عبد الله بالرباط، ومعها بدأت دينامية اقتصادية تتشكل بعيدًا عن المستطيل الأخضر. في المدن المضيفة، ترتفع وتيرة النشاط مع وصول الجماهير تدريجيًا وتتابع المباريات وإيقاع الفعاليات الكبرى، ما ينعكس على قطاعات الضيافة، المطاعم، النقل الحضري والبين‑مدني، وتأجير السيارات.
المؤشرات الأولى التي يراها المهنيون مشجعة،. كما وثقتها صحيفة TelQuel : المقاهي أكثر حركة في ليالي المباريات، مطاعم تمدد ساعات العمل، طلب متزايد على التنقل داخل المدن وخارجها، وتنامٍ في حجوزات وتأجير السيارات. الوتيرة ليست قفزية، لكنها تصاعدية ومتوازنة مع تقدم البطولة، وهي سمة معروفة في الفعاليات الرياضية الكبرى حيث ينتقل المشجعون بين المدن وفق جدول المباريات وتوافر العرض الفوري.
في الضيافة، تتجلى الصورة بوضوح. الحجوزات تتزايد وفق المباريات الأقوى، وإقامات تمتد لعدة أيام. ورغم أن الحصيلة الرقمية لم تُحسَم بعد، يؤكد لحسن زلمات، رئيس الفيدرالية الوطنية لصناعة الفنادق، أن القطاع يعيش مرحلة ترسخ تدريجي للحدث، وأن نمط النمو المطّرد هو المتوقع عادة في مثل هذه المنافسات الدولية. التركّز الحالي منطقي حيث العرض جاهز للتعبئة السريعة.
تشكل الدار البيضاء والرباط نقطتي ارتكاز أساسيتين. فالدار البيضاء تستفيد من دورها كمحور جوي ومركز لإعادة توزيع التدفقات، بينما الرباط، في قلب التنظيم الرياضي ومع استضافتها لنحو 36% من مباريات دور المجموعات، تجذب جزءًا كبيرًا من الحركة المرتبطة بالجماهير والوفود. في هاتين المدينتين، أعلن بعض الفنادق اكتمال الإشغال، ويُرجَّح أن يصل المعدل العام إلى 90% وربما 100% في الأيام المقبلة مع دخول المنافسات مراحل أكثر متابعة.
خارج هذين القطبين، الاتجاه إيجابي لكنه أقل حدّة؛ الحجوزات ترتفع والنشاط يتكثف دون بلوغ مستويات التشبع. ويُشدد زلمات على أن اكتمال الإشغال في جميع المدن ليس ضروريًا ولا واقعيًا في آن، المهم هو واقعية الدينامية واستمرارها طوال مدة الحدث، بما يضمن استدامة الأثر.
على مستوى الحجم الاقتصادي، تتضح تقديرات العوائد تدريجيًا. يُقدّر خبير السياحة زوبير بوحوت أن الحدث قد يجذب بين 500 ألف ومليون زائر أجنبي بين نهاية ديسمبر ومنتصف يناير، استنادًا إلى نسب حضور تتراوح بين 5 و10 مشجعين لكل 10 آلاف نسمة من بلدان المشاركة والجمهور الإفريقي المتابع. عند هذا المستوى من الزوار، تُقدَّر الإيرادات المتوقعة بين 4.5 و12 مليار درهم، في المقام الأول من الإنفاق على الإقامة، الطعام، النقل، والخدمات المساندة.
يتعزز هذا الأثر الاقتصادي بمشاركة دول ذات دخل فردي مرتفع نسبيًا، ما يرفع القوة الشرائية لمشجعيها، مثل جنوب إفريقيا (نحو 6,480 دولار/فرد)، بوتسوانا (7,690 دولار/فرد)، الغابون (6,920 دولار/فرد)، وغينيا الاستوائية (7,370 دولار/فرد). ورغم أن هذه الدول أقل سكانًا من نيجيريا أو مصر، فإن إنفاق الزائر الواحد منها أعلى، ما يرفع حجم العوائد الكلية. بالمقابل، تسهم دول ذات كثافة سكانية أعلى ودخل فردي متوسط أو أدنى، مثل الجزائر ومصر وجمهورية الكونغو الديمقراطية وتنزانيا، في حجم الزوار أكثر من إنفاق الفرد، ما يستدعي إدارة مزيج الطلب بعناية.
خلاصة التشغيل الفعلي تتجاوز الأرقام إلى اختبار القدرة على الاستيعاب والإيقاع المنتظم. تتطلب كأس أمم إفريقيا تشغيلًا مستمرًا لأسابيع، حيث تُختَبَر سلاسة النقل، جودة الاستقبال، وتنسيق القطاعين العام والخاص في ظروف واقعية. لا يتعلق النجاح بمعدلات الإشغال فقط، بل يتوقف على تجربة الزائر، انتظام الخدمة، وقدرة الفرق على الأداء بثبات من البداية إلى النهاية. هنا يعود محور رأس المال البشري والتكوين والتأطير إلى الواجهة، بالتوازي مع سعي القطاع إلى الارتقاء النوعي.
يرى زوبير بوحوت أن اللحظة الحالية ذات أثر استراتيجي للقطاع السياحي في المغرب؛ فهي تُظهر بوضوح العناصر التي ستحدد تنافسية الوجهة مستقبلًا. ويعتبر لحسن زلمات أن المكسب لا يقتصر على الظهور الإعلامي، بل يمتد إلى البنية التحتية، وتراكم الخبرة، ورفع القدرة التنظيمية: طرق ومواصلات حضرية، ملاعب، تجهيزات فندقية، وخدمات مضافة، تعزز عرض المغرب وتوسّع قيمته، إلى جانب رصيده الطبيعي. لقد امتلك المغرب دومًا رصيدًا طبيعيًا قويًا؛ والتحدي اليوم هو ترسيخ عرض منظّم وفعّال وتنافسي يستجيب لمعايير الفعاليات الدولية الكبرى، ويحوّل دينامية CAN 2025 إلى قيمة اقتصادية ملموسة ومستدامة.


